ابن كثير
233
البداية والنهاية
وبنيه فنازلا * واحدا ثم واحدا ثم قتل بعد ذلك كله ودفن بالقرافة ، وقد رثاه القاضي ناصر الدين ابن المنير ، وله فيه مدائح وأشعار حسنة فصيحة رائقة . ابن أبي الحديد الشاعر العراقي عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين أبو حامد بن أبي الحديد عز الدين المدائني ، الكاتب الشاعر المطبق الشيعي الغالي ، له شرح نهج البلاغة في عشرين مجلدا ، ولد بالمدائن سنة ست وثمانين وخمسمائة ، ثم صار إلى بغداد فكان أحد الكتاب والشعراء بالديوان الخليفتي ، وكان حظيا عند الوزير ابن العلقمي ، لما بينهما من المناسبة والمقاربة والمشابهة في التشيع والأدب والفضيلة ، وقد أورد له ابن الساعي أشياء كثيرة من مدائحه وأشعاره الفائقة الرائقة ، وكان أكثر فضيلة وأدبا من أخيه أبي المعالي موفق الدين بن هبة الله ، وإن كان الآخر فاضلا بارعا أيضا ، وقد ماتا في هذه السنة رحمهما الله تعالى . ثم دخلت سنة ست وخمسين وستمائة فيها أخذت التتار بغداد وقتلوا أكثر أهلها حتى الخليفة ، وانقضت دولة بني العباس منها . استهلت هذه السنة وجنود التتار قد نازلت بغداد صحبة الأميرين اللذين على مقدمة عساكر سلطان التتار ، هولاكو خان ، وجاءت إليهم أمداد صاحب الموصل يساعدونهم على البغاددة وميرته وهداياه وتحفه ، وكل ذلك خوفا على نفسه من التتار ، ومصانعة لهم قبحهم الله تعالى ، وقد سترت بغداد ونصبت فيها المجانيق والعرادات وغيرها من آلات الممانعة التي لا ترد من قدر الله سبحانه وتعالى شيئا ، كما ورد في الأثر " لن يغني حذر عن قدر " وكما قال تعالى ( إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ) [ نوح : 4 ] وقال تعالى ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ) [ الرعد : 11 ] وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه ، وكانت من جملة حظاياه ، وكانت مولدة تسمى عرفة ، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة ، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعا شديدا ، وأحضر السهم الذي أصابها بين يديه فإذا عليه مكتوب إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره أذهب من ذوي العقول عقولهم ، فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز ، وكثرت الستائر على دار الخلافة - وكان قدوم هلاكو خان بجنوده كلها ، وكانوا نحو مائتي ألف مقاتل - إلى بغداد في ثاني عشر المحرم من هذه السنة ، وهو شديد الحنق على الخليفة بسبب ما كان تقدم من الامر الذي قدره الله وقضاه وأنفذه وأمضاه ، وهو